التخطي إلى المحتوى
إحتفاء متميّز بعيد المرأة.. وبالأميرة الحافية!!

بوابة حضرموت

5980aaad5fdc7-200x300

لا يعرف قيمة التكريم ويحس بأهمية ما يتركه من أثر معنوي طيّب وسَارٍ، إلاّ من رأى دموع الفرح الممزوجة بالغبطة والابتهاج والحبور في وجه المُكّرمين.. ذلك ما رأيته شخصياً بأم العين، وأحببت أن اشارككم فيض مشاعري ومشاعر من كانوا شهود عيان ممن جمعتهم المناسبة العلمية والتكريمية. إذ كان يوم أمس يوما تكريمياً مميزاً وبهجياً في تاريخ المرأة في عدن لم تشهد له المدينة مثيلاً من قبل. فقد حرص مركز عدن للدراسات والبحوث التاريخية والنشر، الذي يعزز حضوره القوي في المشهد الثقافي العدني وفي الاهتمام بالبحث العلمي والتوثيق لمراحل تاريخنا الوطني، حرص أن يجعل من مناسبة عام على تاسيسه فعالية مميزة بكل المقاييس، ذات ارتباط بتاريخ عدن وبمكانة المرأة ودورها الريادي تكريماً وتقديراً لها، من خلال تخصيصه مؤتمره العلمي الأول لدور المرأة في عدن في مرحلة ما قبل الاستقلال الوطني، وزاد أن جعل مؤتمره العلمي متزامناً مع احتفالات الثامن من مارس، فأعطى لهذه المناسبة التي تحتفل بها المرأة في بلادنا مع كل نساء العالم نكهة مميزة خارجة عن التقليد المألوف، وشكل المؤتمر بذلك ملتقى علميا وظاهرة ثقافية ومناسبة احتفالية وتكريمية للمرآة في آن واحد. هذا الانطباع سيطر على كل من حضر فعاليات المؤتمر العلمي الأول لمركز عدن للدراسات والبحوث التاريخية والنشرالذي عقد في فندق كورال يوم أمس الخميس، 8 مارس 2018م، بمشاركة طغى فيها الحضور النسائي، ليس فقط بغالبية عددهن بين الحاضرين، ولكن أيضا بعدد المشاركات بأوراق بحثية حيث بلغ عددهن 14باحثة وأستاذة، مقابل 4 فقط من الباحثين والأساتذة الرجال، وهذا الأمر ينسحب على المناقشات التي تلت الاستماع إلى ملخصات الأوراق البحثية حيث كان النقاش حكراً على النساء، وشكل الرجال أقلية ضيئلة في حضرة النساء. وخلال جلستين من أعماله وقف المؤتمر أمام 17ورقة بحثية أرَّخت لدور ومكانة المرأة في عدن وحضورها الفاعل في الحياة العامة ومساهماتها في التغيير الاجتماعي والاقتصادي ودورها النضالي في مختلف الميادين كجزء من تاريخنا الوطني العام خلال مرحلة ما قبل الاستقلال الوطني، وإبراز دور ومكانة الرائدات العدنيات ممن لمعت أسماؤهن في مسيرة النضال الوطني ضد الاستعمار البريطاني، أمثال نجوى مكاوي، عائدة يافعي، وفي المجال التربوي أمثال الأستاذة والمربية القديرة نور حيدر التي تخرج على يديها عشرات من النساء اللاتي أضحت لهن مكانة مرموقة في المجتمع، وفي الصحافة والإعلام، أمثال السيدة ماهية نجيب التي أصدرت مطلع عام 1960 أول مجلة نسائية على مستوى الجزيرة العربية باسم (فتاة شمسان)، و في مجال القانون أمثال المحاميتان راقية حميدان وحميدة زكريا ، وفي الإذاعة والتلفزيون: المذيعتان عديلة ابراهيم وفوزية عمر،وأول مراقبة صوت في الإذاعة أسمهان بيحاني وغيرهن كثيرات. ولفت انتباهي ألق الحضور النسائي البهي المزدان بوجود بعض الرائدات ممن وردت أسماؤهن في أبحاث المؤتمر في معرض الحديث عن دور المرأة العدنية كالمناضلة ضد الاستعمار البريطانيأ.د.سعاد عثمان يافعي، التي أضحت مطلع الثمانينات من القرن الفارط، أول امرأة تتقلد منصب عمادة كلية على مستوى الجزيرة العربية (كلية الاقتصاد- جامعة عدن)..ثم حضور جيل الشباب من الفتيات في تواصل للاجيال.. والأهم ذلك الانشداد الذي أبدته المشاركات لموضوعات ومحاور الندوة وعدم مغادرتهن القاعة إلا مع انتهاء جلسات أعمال المؤتمر قرابة الثانية ظهرا، حينما طلب منا أصحاب القاعة المغادرة لانتهاء وقت الحجز..فاعلنت –وكنت أقدم جلسة المناقشات الختامية- الاكتفاء بالملاحظات المقدمة لأن أصحاب القاعة يطلبون منا (الرّحيل)، وبالكاد تمكن زميلي د. محمد بن هاوي باوزير من قراءة القرارات والتوصيات الختامية. ولعل أبرز ما تأثر له الحضور وأطربهم فرحاً ذلك التكريم الذي جاء عفوياً ودون أن يُحضَّر له أو يُعلن عنه أو يتوقع أحدٌ حدوثه لـ(الأميرة الحافية) التي تحولت في لحظة من امرأة مغمورة إلى نجمة أضاءت سماء القاعة ودفعت الجميع – نساء ورجالاً- لأن يصفقوا لها بحرارة تقديراً وعرفاناً لدورها الوطني والريادي ، الذي ما كان لنا أن نتعرف عليه لولا تلك الورقة البحثية التي كانت سبباً في التعريف بها وجلَب الفرحةَ إلى قلبها، وهي الورقة التي أحسنت اختيارها وقدمتها مشكورة الزميلة د. راهيلا حسين ناصر عُمير، عن حياة “الرائدة عيشة أحمد حسين قبل الاستقلال الوطني وبعده”، وهي المقصودة بـ “الأميرة الحافية” منذ أن أطلق عليها “سالمين” هذا اللقب مطلع الستينات من قرننا الماضي حينما رآها تسير من مسقط رأسها “قرية المسيمير” القريبة من زنجبار إلى مدرستها مشيا على الأقدام وحافية القدمين لظروفها الأسرية القاسية جداً، لا سيما بعد وفاة والدها وتحمل والدتها تربيتها إلى جانب أخيها وأخواتها الثلاث، وهو ما دفعه لأن يشتري لها حذاءً ويقدمه هدية لها قائلاً لها باللهجة العامية:”البسي حذيان يا أميرة ولا تسرحي المدرسة بدون حذيان”، وكانت فرحتها حينها كبيرة وهي تلبس الحذاء لأول مرة، وهو ما رفع من معنوياتها كثيراً، وجرى في قلبها منذ ذلك الحين حُب سالمين الذي أصبح رئيساً فيما بعد، ومثل بالنسبة لها السند والقدوة والمثل الأعلى، وجعلها تبادله الوفاء وتطلق عليه “أبو الفقراء والمساكين والأيتام”. وها نحن نتعرف على واحدة من رائدات الحركة النسوية في الجنوب بشكل عام وفي أبين بشكل خاص حيث تقدمت المناضلة (عيشة أحمد حسين) الصفوف إلى جانب زميلاتها في مختلف مراحل النضال الوطني وتعرضت للسجن لشهرين من قبل الانجليز لمساعدتها ثوار الجبهة القومية في توزيع المنشورات وفي اخفاء السلاح وطهي الطعام وتوصيله لهم، ثم اسهمت لاحقاً في خدمة بلادها في المجالات التربوية والاجتماعية والسياسية. لا أخفيكم سراً أنني كنت أظن وأنا أتابع الباحثة د.راهيلا وهي تقدم ورقتها مسنودة بالصور الفوتوغرافية في وسيلة العرض إنَّما تتحدث عن رائدة غادرت دنيانا ولحقت بربها، لأننا للأسف اعتدنا أن لا نتذكر الشخصيات الوطنية أو نتحدث عنهم أو نكرمهم إلا بعد رحيلهم، وفي غالب الأحيان نكتفي بالاحتفاء في أربعينية وفاة البعض منهم، لكن المفاجأة كانت رائعة، فما أن اختتمت (راهيلا) حديثها بالشكر لمركز عدن للدراسات والبحوث التاريخية والنشر على تنظيم هذه الفعالية مساهمة منه في تدوين دور المرأة في الجنوب وإبرازه للجميع بوصفه جزءاً من تاريخنا وتراثنا المنسي اليوم، حتى طلبت السماح لها بأن تقدم باقة ورد جميلة كانت قد أحضرتها خصيصاً للأميرة الحافية، التي تشاركنا هذه الفعالية فصعدت الرائدة (عيشة) وقد أخذها سوار الفرح وسط عاصفة من التصفيق الحار لاستلام باقة الورد التكريمية، ولم تستطع أن تحبس أو تخفي دموع الفرح الممزوجة بلذة التكريم الكبير في معناه ودلالاته، وكأنها تردد قول شاعر النيل حافظ إبراهيم في حفل تكريم له بدمشق فاضت فيه دموعه فقال: شكرتُ جميلَ صنعكمُ بدمعي ودمعُ العينِ مقياس الشّعُور لأول مرة قد ذاق جفني على ما ذاقه طعم السرور وكم كان رائعاً أن بادر كثير من الحاضرين من النساء والرجال لتهنئتها والتقاط صور تذكارية معها ودموع الفرحة و مشاعر الامتنان لم تغادر محياها وكأن الدُّنيا لم تعد تَسعها من شدة الفرح.. وكنت شخصيا من المهنئين لها وقَبّلتُ رأسها.. فشكرا راهيلا..وشكرا مركز عدن للدراسات والبحوث التاريخية والنشر..وما أروع أن نلتفت ونبادر لتكريم المستحقين في حياتهم ليعشوا بأنفسهم لحظات الاعتراف بفضلهم ويحسوا بمثل هذه الفرحة الغامرة ، فذلك أجمل وأفضل كثيراً من تكريمهم والالتفات إليهم بعد رحيلهم..

التعليقات